محمد الكرمي
11
التفسير لكتاب الله المنير
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ 98 / 6 وكاف الخطاب الجمعي للعموم لا يقال إن المنشأ وان كان واحدا الّا ان هناك واردات طرأت عليه في طول سير حلقاته فقد تلطفت خلقته بعد الخشونة فصارت حاجزة بين أصله وفرعه فإنّا نقول إن هذه المسيرة بالعيان قد شملت الجميع ولم تختص بواحد وعلى فرض تخلفها بالنسبة إلى أولئك الذين بقوا متوحشين أو متخشنين فان البذرة الأولى التي تكاملوا عنها موجودة فيهم بالجزم واليقين إذا فلا يستطيع فرد لا بذاتياته ولا بأعراضه المادية المجلوبة ان يترفع على الفرد الآخر من عنصره وذلك لان الذاتيّات مشتركة والاعراض المادية المجلوبة ان جلبت فخرا فان الفخر لها فالمتزيّن بزينة لا يحقّ له ان يفتخر على العاطل منها لان الفخر للزينة نفسها لا له هو بدليل انها إذا انفصلت عنه ذهبت بفخره معها فالثرىّ إذا أفلس ذهب فخره بذهاب ثروته وامّا الأعراض المعنوية كرياضة الإنسان لنفسه حتى يصير حكيما وكريما وعليما وحليما وما إلى ذلك فان الفرد ان جاز له ان يفتخر بها فلأنه تعب لها تعبا بدافع التهذيب الجذرى للنفس بخلاف التعب للمادّة وتحصيلها فإنه ليس بهذا الدافع وانما هو بدافع خشونة الحيونة وطمعها وحرصها ولو أنّ جامع المال انما جمعه ليسدّ به عوز محتاج ويرفّه به على عيال وأطفال وأمثال ذلك لانقلبت حاله من المادّية إلى المعنوية وصار بذلك محمودا كما يحمد الكريم والعليم والحليم والحكيم وعليه فمحطّة التكليف وحجره الأساسي هي الجهة الجامعة بين الأفراد وهي السنخية المشتركة بين الحلقات كلّها وهي جهة واحدة ولذلك صحّ للّه ان يخاطب الفيلسوف والطالب البدائي والإنسان العادي بقوله يا أَيُّهَا النَّاسُ * أو يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا * لأنّ رصيد الخطاب موجود في الجميع بل يجوز له افتراض